ملحمة الذهب والقصب: تاريخ الإمارة الهمامية الهوارية في صعيد مصر (1517 - 1769م)
مقدمة: صعيد مصر وعاصمة ولاية جرجا
تميز التاريخ الإداري والسياسي لصعيد مصر عبر العصور بخصوصية جغرافية وبشرية فريدة، حيث مثل الوجه القبلي دائماً إقليماً شبه مستقل بإدارته وثقافته واقتصاده عن الدلتا ومصر السفلى [220]. وفي قلب هذا المشهد التاريخي الغني، برزت مدينة جرجا كحاضرة إسلامية كبرى وعاصمة سياسية وإدارية واقتصادية متكاملة لولاية الصعيد كله خلال العصرين المملوكي والعثماني [568، 700]. وقد وُصفت جرجا في سجلات المؤرخين بأنها كانت "ضرة القاهرة" لاتساع شوارعها، وعمرانها المتكامل، وحماماتها، وجوامعها الكبرى، وقيسارياتها التجارية الحافلة بالبضائع الوافدة من شتى أنحاء أفريقيا والحجاز وتركيا [568، 699].
إن نشوء الأهمية السياسية لمدينة جرجا والمنطقة المحيطة بها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنزوح وتوطين قبائل هوارة في الصعيد الأعلى [256]. ففي عام 782 هـ / 1380 م، وفي عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق، اتُخذ قرار استراتيجي بنقل طوائف من هوارة (التي كانت ديارها الأصلية تمتد في شمال أفريقيا من طرابلس غرباً) وإنزالهم في منطقة الصعيد الأعلى [200، 256]. وكان الهدف من هذا التوطين هو استغلال شوكتهم العسكرية لإعمار تلك النواحي التي كانت قد خربت، والحد من شغب واعتداءات بعض الأعراب الثائرين [200، 256].
أُقطعت ناحية جرجا للشيخ إسماعيل بن مازن الهواري (جد الموازنة)، فقام ورجاله بتعميرها وبناء بيوتها ومرافقها [200، 256]. ومنذ ذلك الحين، بدأ نجم جرجا في الصعود، وصارت مركزاً سياسياً جديداً وعاصمة لولاية الصعيد [256]. وبعد مقتل إسماعيل بن مازن، آلت إمرة عربان الصعيد إلى الأمير عمر بن عبد العزيز الهواري (المتوفى سنة 799 هـ / 1396 م)، وهو الجد المؤسس لـ "بني عمر" (الدولة البندارية)، الذين سيتسلسلون في حكم الصعيد وصناعة تاريخه لقرون متطاولة [200، 257]. وتذكر المصادر التاريخية أن أولاد عمر هؤلاء انقسموا إلى فرعين رئيسيين هما: أولاد عمر وأولاد غريب [31]. وتحت مظلة زعامة بني عمر، استقرت الهوارة في الصعيد واشتد بأسهم، وتحولوا من حياة الترحال إلى الزراعة والاستقرار، وخاصة زراعة قصب السكر، التي اعتمدوا عليها لبناء ثروة اقتصادية أسطورية مهدت لظهور قوتهم السياسية الكبرى [258].
الفصل الأول: الجذور والتأسيس - الأمير همام سيبيه (سبيك) وظروف عام 1517م
1. نسب الأمير همام سيبيه (سبيك) وتفكيك دلالة "ماضي"
تُشير مخطوطات النسب المعتمدة ووثائق العائلات في الصعيد إلى أن الأمير همام الأول، المشهور في المخطوطات باسم "همام سيبيه" (أو همام سبيك)، هو بن عيسى بن يوسف بن عمر بن عبد العزيز الهواري البنداري [856]. وينحدر هذا الفرع مباشرة من السلالة العمرية الحاكمة للصعيد. ومع ذلك، يربط علم الأنساب والأنثروبولوجيا الاجتماعية نسب الأمير همام سيبيه بلقب "بن ماضي" أو "المغربي بن ماضي" [13، 963].
لتفكيك دلالة هذا الرابط التاريخي، يجب العودة إلى جذور قبيلة هوارة الأمازيغية البربرية في شمال أفريقيا [963]. يذكر العلامة عبد الرحمن بن خلدون في "كتاب العبر" أن "بني ماديس" هو أحد البطون التاريخية الأصلية والكبرى لقبيلة هوارة، وكان لهم شوكة عظيمة وقوة عسكرية ضاربة قبل نزوحهم إلى مصر [197، 963]. ومع تقادم العهود وحركة التعريب الواسعة التي خضعت لها القبائل البربرية في مصر، دخل النسابون في عملية تُعرف بـ "الاختزال النسبي" (Genealogical Telescoping)، حيث تم تحوير وتلخيص اسم البطن القبلي الكبير "ماديس" ليتحول في الذاكرة الشفوية والمشجرات المكتوبة إلى اسم علم لشخص رمزي هو الجد "ماضي" [963، 964].
بناءً على ذلك، فإن صيغة "همام سيبيه بن ماضي" لا تعني وجود شخص حقيقي اسمه ماضي وُلد في سنة محددة ليكون والداً مباشراً لسيبيه، بل تعني بلغة الأنساب والتحالفات القبلية: "الأمير همام سيبيه المنحدر من بطن بني ماديس الهواري العريق" [963]. وهو ارتباط تاريخي واجتماعي وثيق يثبت أصالة إمارة الهمامية وجذورها الضاربة في عصب قبائل هوارة الكبرى، وتوحدهم تحت راية زعامة واحدة استطاعت قيادة فروع أخرى مثل "أولاد يحيى" و"الحميدات" [963].
2. ظروف عام 1517م: التحول العثماني والتكيف السياسي
شهد عام 1517م (سنة 923 هـ) حدثاً زلزل أركان الشرق الأوسط بأكمله، وتمثل في الغزو العثماني لمصر بقيادة السلطان سليم الأول، وسقوط دولة المماليك البرجية بعد معارك طاحنة في مرج دابق والريدانية، ومشنقة السلطان طومان باي على باب زويلة [585]. وفي تلك الأثناء، كان الأمير همام سيبيه يقود شؤون قبيلته وعشيرته في الصعيد الأعلى [15].
لم يكن الصعيد بعيداً عن هذه الاضطرابات؛ بل كان المماليك الفارين يلجأون دائماً إلى الصعيد للتحصن بجباله الشاهقة والاستعانة بقبائل العربان [230، 701]. تكيفت الإمارة الهوارية (البندارية) مع العهد العثماني الجديد بذكاء سياسي بالغ. فرغم أن السلطان سليم شاه قضى على سلطة المماليك في القاهرة، إلا أن الإدارة العثمانية أدركت سريعاً أنها لا تستطيع السيطرة على أقاليم الصعيد النائية دون الاعتماد على القوى القبلية المحلية ذات الشوكة [285].
بموجب هذا التفاهم الضمني، تكرس دور أمراء بني عمر (الهمامية) كملتزمين رسميين لجمع الضرائب وإرسال الغلال (المال والسلايق) إلى ديوان الباشا في القاهرة [701]. حافظ العثمانيون على الهيكل الإداري القائم، وبذلك استمر الهوارة في بسط نفوذهم الفعلي على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الغنية في جرجا وما حولها، في مقابل الإذعان الاسمي للسيادة العثمانية ودفع الميري بانتظام [659، 701].
3. الصراعات الداخلية وتأسيس حلف "الهمامية"
تُشير التواريخ المحلية لولاية جرجا إلى أن القرن السادس عشر شهد نزاعات وصراعات عنيفة على السلطة والنفوذ بين بطون الهوارة أنفسهم [15]. كان الصراع يدور بشكل أساسي بين فروع أولاد علي بن عيسى والسليمانيين والهميريين [15، 16].
تولى الأمير همام سيبيه (همام الأول) حكم الإمارة في ظروف دقيقة وتنازع مستمر مع أولاد أعمامه السليمانيين في أعوام 1510م و1530م و1555م [15]. وفي عام 1574م، تولى الإمرة عمه الأمير يونس بن ريان [16]. تمكن الأمير يونس، بالتعاون مع ابن عمه هميار بن سالم، من عقد صلح تاريخي وتأسيس تحالف قبلية قوي ضم فروع السليمانيين والهميريين تحت راية موحدة، وهو الحلف الذي عُرف في التاريخ باسم "حلف الهمامية" [16]. كان هذا الحلف بمثابة النواة الصلبة التي منحت أسرة الهمامية تفوقاً عسكرياً وعددياً كبيراً على بقية بطون الهوارة والقبائل العربية الأخرى في الصعيد، وسمح لهم بالاستئثار بإمرة العربان وبسط نفوذ لا يلين على ولاية جرجا بأسرها لقرنين قادمين [24].
الفصل الثاني: التطور التاريخي لسلالة الأمراء الهمامية (القرنين الـ 16 والـ 17)
1. التسلسل الزمني لحكام الهمامية
بعد استقرار حلف الهمامية وتثبيت أركانه، توالت أجيال الحكام من نسل الأمير همام سيبيه بن عيسى البنداري، والذين تذكرهم سجلات الإلتزام وحجج الأنساب بدقة [580، 856]:
- الأمير يوسف بن همام بن عمر بن ريان (يوسف الثاني / الثالث): تولى مقاليد الحكم في الصعيد في الفترة ما بين (1606 - 1627م) [70، 811]. شهد عهده نمواً مطرداً في النفوذ الاقتصادي والزراعي لعائلته، واشتهر ببناء المنازل والديار الواسعة والمنشآت المعمارية في جرجا [22].
- الأمير محمد بن همام بن عمر بن ريان (محمد الرابع): خلف أخاه يوسف، وحكم الصعيد في فترة طويلة ومستقرة امتدت من (1627 - 1676م) [811]. عُرف بحنكته العسكرية والسياسية، واستطاع الحفاظ على التوازن الإقليمي للصعيد في مواجهة تقلبات السياسة المملوكية في القاهرة [811].
- الأمير أحمد بن محمد بن همام (أحمد الثاني): تولى الحكم من (1676 - 1708م) [812]. وفي عهده، دخلت الإمارة في طور جديد من الالتزامات المالية الواسعة مع الدولة العثمانية، وحافظ على شوكة عائلته قوية رغم زيادة الضغوط الضريبية [812].
- الأمير يوسف بن أحمد بن محمد بن همام (يوسف الثالث): حكم الصعيد من (1708 - 1737م) [812]. وهو والد شيخ العرب همام المشهور [107]. تميز عهده بالثراء الواسع وتوسيع حيازة الأراضي الزراعية والتزام معظم مقاطعات جرجا، مما مهد الطريق لصعود ابنه همام إلى ذروة المجد السياسي [104].
2. الأساس الاقتصادي: زراعة قصب السكر و"دواليب السكر"
لم تكن قوة الهمامية عسكرية فحسب، بل كانت تستند إلى رافد اقتصادي وزراعي عملاق لا يضاهى [258]. فقد استقرت طوائف الهمامية في أراضيهم الشاسعة وعنوا عناية بالغة بزراعة النواحي بـ قصب السكر [258].
لم يقتصر دورهم على الزراعة فقط، بل أسسوا صناعة متكاملة عبر إنشاء "دواليب السكر" (معاصر السكر واعتصاره) واحتكارها [11، 258]. كانت هذه الدواليب تدر عليهم ثروات طائلة وسبائك ذهبية مكنتهم من ادخار أموال طائلة وسد الالتزامات المالية والضرائب المفروضة من القاهرة بسهولة، بل وشراء الولاءات والمماليك والأسلحة وتجهيز الفرسان [258، 260]. وقد اشتهر الأمير محمد بن عمر بن عبد العزيز (أبو السنون) وأحفاده من بعده بجمع ثروات أسطورية من وراء هذه الصناعة، مما جعل الصعيد مصدراً رئيسياً للسكر في السوق المصرية والإقليمية [258، 260].
3. العلاقات الشائكة والنزاعات مع المماليك (الفقارية والقاسمية)
تميزت الساحة السياسية المصرية في العصر العثماني بالانقسام الحاد والصراع الدموي المستمر بين فصيلين مملوكيين رئيسيين: الفقارية (الذين اتخذوا اللون الأبيض شعاراً لهم) والقاسمية (الذين اتخذوا اللون الأحمر شعاراً لهم) [585]. وكان لهذا الانقسام صدى عميق في صعيد مصر وولاية جرجا [22].
لعب أمراء الهمامية دوراً محورياً في هذه النزاعات، حيث كانوا يتحالفون تارة مع الفقارية وتارة أخرى مع القاسمية بناءً على ما تقتضيه مصالح إمارتهم وحفظ استقلالهم الشكلي [22]. فمثلاً، في عام 1120 هـ / 1708 م، تدخل الأمير محمد بك الهواري لنجدة الينكجرية في القاهرة، ونزل بفرسانه وأخلاط الهوارة والمغاربة في البساتين، واشتبك في معارك طاحنة في خط الصليبة وجامع السلطان حسن [587، 590].
ورغم تكرار الحملات العسكرية التأديبية التي كان يرسلها باشوات القاهرة لعزل أمراء أولاد عمر وتعيين كشاف مملوكيين لولاية جرجا، إلا أن السلطات العثمانية والمملوكية كانت تصطدم دائماً بحقيقة أن هؤلاء الكشاف لا يستطيعون الاستقرار في مناصبهم أو تحصيل درهم واحد من الضرائب دون موافقة ورضا أمراء الهمامية [22، 32]. وكان الأمر ينتهي دائماً باضطرار السلطة المركزية لإعادة تعيين أمراء أولاد عمر في مناصبهم وإقرار حيازاتهم للأراضي الزراعية [32].
الفصل الثالث: عصر شيخ العرب همام بن يوسف البنداري (1737 - 1769م) - ذروة الإمبراطورية وصعود دولة الصعيد
1. ولادة ونشأة شيخ العرب همام
ولد الأمير همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن عمر بن ريان البنداري (المعروف بـ همام الأول البنداري أو شيخ العرب همام) في بيت مجد وثراء ومكانة موروثة ببلدة فرشوط [15، 104، 107]. نشأ همام في حضن والده الأمير يوسف الذي أورثه زعامة قبائل الهوارة وأكبر التزام زراعي في الصعيد [104].
تمتع همام منذ شبابه بشخصية ساحرة، وذكاء متقد، وهيبة طبيعية، وكرم أسطوري عزز مكانته بين قبائل الصعيد وفلاحيه [104]. وعندما توفي والده يوسف سنة 1737م، آلت لشيخ العرب همام زعامة العائلة وإمرة عربان الصعيد كافة، ليبدأ عهده الذي سيمثل "العصر الذهبي" وذروة القوة لإمارة الهوارة في الصعيد [104].
2. التوسع الجغرافي والالتزام الشامل
ورث شيخ العرب همام عن أبيه وجده التزامات زراعية واسعة، ولكنه استطاع بفضل نفوذه وقوته المالية والعسكرية توسيع هذه الحيازات بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر العثمانية [104]. تذكر "دفاتر الالتزام بالقلعة" وسجلات محكمة قنا الشرعية أن أراضي همام امتدت بصفة التزام حيازية شاملة من مديرية المنيا شمالاً وحتى شلالات أسوان جنوباً [17]. وبذلك، أصبح شيخ العرب همام الملتزم الفعلي والوحيد لـ معظم أراضي صعيد مصر [17].
امتلك همام مساحات زراعية شاسعة مخصصة لزراعة قصب السكر والحبوب [598]. وتذكر مصادر تلك الحقبة (مثل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي) أنه كان يملك لخدمة زراعة قصب السكر وشركائه فقط اثني عشر ألف ثور، وهذا بخلاف الثيران والماشية المعدة للحرث، ودراس الغلال، وإدارة السواقي، والطواحين، والأبقار الحالبة [598]. وكانت شون غلاله الكبرى وحواصل السكر والتمر والعجوة تنتشر في مختلف بقاع الصعيد، لدرجة أن المسافر الغريب كان إذا رأى شون غلال همام من بعيد يظنها تلالاً أو جبالاً خضراء خصبة بسبب كثرة الغلال وتراكمها، حيث كان ماء المطر ينزل عليها فتنبت حباتها وتكسوها بالخضرة [599].
3. الهيكل الإداري والعسكري لدولة الصعيد
أسس شيخ العرب همام نظاماً إدارياً وعسكرياً متكاملاً قارب حدود الدولة المستقلة عن القاهرة [104]. وكان هذا الهيكل يتألف من ثلاثة أركان رئيسية:
أ. الجيش والقوة العسكرية الضاربة
شكل فرسان قبيلة هوارة عماد جيشه، وانضمت إليهم أعداد غفيرة من الشجعان، والبوادي، وعرب الشرق والجزيرة [611]. وإلى جانب القوات القبلية، اشترى همام أعداداً كبيرة من المماليك والعبيد السود والسراري، وأعتق كثيراً منهم وقلدهم مناصب قيادية في جيشه [598، 646]. كما استقطب بقايا جنود القاسمية الفارين من بطش علي بك الكبير ووظفهم في جيشه كقواسة وفرسان محترفين [599]. وتذكر الوثائق أن القوة العسكرية الضاربة والكتلة العنيفة في جيش همام كانت ترتكز على فرسان "أولاد يحيى"، في حين مثل فرع "الحميدات" الجناح الإداري والزراعي الداعم لنفوذه [963].
ب. النظام الإداري والكتبة الأقباط
أدار همام مملكته الزراعية والمالية من خلال جهاز إداري دقيق ودواوين حافلة بالموظفين [16، 599]. وكان يستعين بنخبة من الكتبة الأقباط والمسلمين (وعلى رأسهم صيارفة مهرة) لتسجيل الحسابات، وتقدير الضرائب، وإدارة شون الغلال، وحساب عوائد معاصر السكر [599، 692]. وكان ديوان بيته يضاهي مجالس كبار الأمراء في القاهرة، حيث يجلس همام في مجلسه الداخلي حتى الثلث الأخير من الليل يملي المراسيم والمكاتبات ويحاسب مستوفيه [599].
ج. الضيافة الأسطورية والكرم كأداة سياسية
كان الكرم الأسطوري لشيخ العرب همام واحداً من أهم أدواته لترسيخ سلطته الاجتماعية والسياسية [104]. فقد كان مجلسه بفرشوط محط الرحال وملاذ الخائفين والقاصدين والعلماء من شتى أرجاء العالم الإسلامي [305، 623]. وكان الفراشون في داره يهيئون طعام الفطور من طلوع الفجر فلا يفرغون حتى ضحوة النهار، ثم يشرعون في إعداد طعام الغداء حتى العصر، ليبدأ فوراً إعداد العشاء [598]. وكان بعض الوافدين والضيوف يقيمون في ضيافته شهوراً كاملة دون أن يختل ترتيبهم أو ينقص راتبهم من اللحم والخبز والسمن والعسل [598].
زار الصعيد في عهد همام كبار العلماء والأعلام، ومن أبرزهم الإمام اللغوي الشهير مرتضى الحسيني الزبيدي (صاحب تاج العروس)، الذي سافر إلى الصعيد واجتمع بشيخ العرب همام الذي أكرم وفادته وأحسن استقباله [571]. وخلال إقامته في الصعيد وتحت رعاية همام، صنف الزبيدي رسالته الشهيرة "رفع الستارة عن نسب الهوارة"، والتي دافع فيها عن عروبة قبائل هوارة وأصلهم الحميري القحطاني في مواجهة الادعاءات التي حاولت التقليل من شأنهم [120].
الفصل الرابع: المنشآت العمرانية والمرافق في عهد الهمامية (جرجا وفرشوط نموذجاً)
عكست العمارة الدينية والمدنية في ولاية جرجا وفرشوط مدى الثراء والازدهار الاقتصادي الذي تمتع به الصعيد تحت حكم الأمراء الهمامية البنداريين [701]. فقد تحولت جرجا في عهدهم إلى مركز حضري مشع يضم منشآت معمارية تنافس تلك الموجودة في القاهرة [701].
1. المساجد المتبقية والمجددة
كانت المساجد في جرجا تمثل النواة العمرانية للمدينة، وتؤدي وظائف دينية وتليمية كبرى كمعاهد علمية يقصدها الطلاب من كل صوب [305]. ومن أهم هذه المساجد:
- جامع المتولي (المسجد المعلق): أنشأه الأمير محمد بن عمر بن عبد العزيز (أبو السنون) في بداية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) [200]. وكان يُعرف قديماً بـ "الجامع المذهب" لفخامة بنائه ونقوشه [312، 107]. ورغم تعرض أجزاء كبيرة منه للاندثار بسبب فيضان النيل، إلا أن مئذنته البديعة ظلت باقية تشهد على روعة عمارتها [296].
- جامع الأمير عثمان بك: يقع في حارة القيسارية بجرجا، وأنشأه الأمير المملوكي عثمان بك تجسيداً للتداخل العمراني بين المماليك والهوارة، ويتميز بعناصره الزخرفية الفريدة وتجديده لحمام القيسارية المجاور [12، 702].
- جامع الفقراء: مسجد أثري شهير في جرجا ارتبط بالمتصوفة والفقهاء، وجُدد في عهد الهمامية ليكون منارة دينية في المدينة [702].
- جامع سيدي سليم البنداري وجامع سيدي عبد السلام: من المساجد الجامعة الكبرى التي أسسها الهمامية أو أشرفوا على إعمارها بجرجا لتسهيل إقامة الشعائر ونشر المذهب المالكي الذي كان يدين به أكثر أهل الصعيد [292، 312].
2. المرافق المدنية والتجارية
ازدهرت الحركة التجارية في جرجا بفضل القيساريات والوكالات التي شيدها الهمامية والمماليك:
- القيساريات: شُيدت قيساريات كبرى بجرجا (مثل قيسارية جرجا وقيسارية فرشوط) [348، 702]. وكانت هذه المنشآت مصممة وفق نمط "قيساريات الشوارع" المغطاة بسقائف خشبية لحماية البضائع، حيث تصطف الحوانيت على جانبي الطريق وتجتمع كل طائفة حرفية في درب مخصص لها [347، 702].
- الوكالات والحمامات: ضمت المدينة وكالات تجارية ضخمة (خانات) لاستقبال قوافل التجارة الوافدة من السودان والحجاز عبر البحر الأحمر والقصیر [17، 673]. وكان درباً كاملاً يُدعى "درب الوكائل" لكثرة ما به من منشآت [348]. كما ضمت المدينة حمامات عامة بديعة البناء، أشهرها "حمام علي بك الفقاري" الذي جدده الأمير علي بك وكان عامراً بمياهه الساخنة ونقوشه البديعة [354، 355].
3. ظاهرة "سطو البحر" وإعادة تدوير المباني
واجهت المنشآت العمرانية في جرجا تحدياً طبيعياً وبيئياً هائلاً عُرف في السجلات التاريخية باسم "سطو البحر" (وهو تآكل شاطئ النيل الشرقي بسبب قوة الفيضان السنوي وانحراف مجرى النهر نحو الغرب) [296، 187]. أدت هذه الظاهرة الكارثية إلى تدمير أكثر من نصف مباني المدينة القديمة، وابتلاع النيل للعديد من المساجد، والديار، والوكالات، والجبانات الأثرية [296، 299].
لم يقف المعمار الجرجاني عاجزاً أمام هذه الكارثة؛ بل نشأ نمط هندسي واقتصادي فريد قام على "إعادة البناء بالأدوات القديمة" أو "تدوير مواد البناء" [299، 364]. فكلما طغى النيل على جامع أو وكالة وأشرف على الهدم، كان الأهالي والأمراء يبادرون بفك أعمدته الخشبية والرخامية، وحجارته النحيتة، وبلاطاته القاشانية، ونقلها إلى خطوط جديدة آمنة وبعيدة عن النهر (مثل خط المحكمة الشرعية) لإعادة تشييد المبنى بذات عناصره القديمة [299، 364]. وكان هذا الأسلوب الاقتصادي البديع هو السبب وراء بقاء الطابع المعماري الفريد لجرجا رغم الفيضانات المتعاقبة التي غيرت جغرافية المدينة عبر العصور [299، 364].
الفصل الخامس: الصراع مع علي بك الكبير وسقوط دولة همام بن يوسف (1769م)
1. طموحات علي بك الكبير المركزية
في أواخر ستينيات القرن الثامن عشر، برزت في القاهرة قوة مملوكية كبرى تمثلت في علي بك الكبير، الذي تولى منصب "شيخ البلد" وتطلع للاستقلال التام بمصر عن الدولة العثمانية وإعادة إحياء السلطنة المملوكية القديمة [285، 612].
أدرك علي بك الكبير أن تحقيق طموحاته المركزية يقتضي بالضرورة سحق قوتين محليتين رئيسيتين تشاركه النفوذ والسلاح: الأولى هي قبائل الحبايبة والهنادي في الوجه البحري، والثانية والأخطر هي إمارة الهوارة بزعامة شيخ العرب همام في الوجه القبلي [285]. لم يكن علي بك الكبير ليقبل بوجود "دولة داخل الدولة" تسيطر على غلال مصر وسكرها، وتمتلك جيشاً جراراً وتفرض هيبتها على الصعيد كله [611].
2. إيواء الأمراء المماليك الفارين
تأزمت العلاقات السياسية بين القاهرة وفرشوط بشكل متسارع عندما فتح شيخ العرب همام الصعيد كملاذ آمن للأمراء والمماليك الفارين من بطش علي بك الكبير [22، 608]. وكان من أبرز هؤلاء الفارين الأمير الكبري صالح بك القاسمي (مملوك مصطفى بك الفرد) [596].
فر صالح بك إلى الصعيد واستقر بـ "المنية" وتوطدت بينه وبين شيخ العرب همام صداقة شخصية وسياسية عميقة، لدرجة أن صالح بك امتزج بالهوارة، وتخلق بطباعهم، وتكلم بلغتهم، ووكله همام في إدارة شؤونه بالقاهرة [596]. أثار هذا التحالف حنق علي بك الكبير، الذي اعتبر إيواء همام لصالح بك وبقية المماليك المتمردين بمثابة إعلان حرب مباشر على سلطته في القاهرة [22، 596].
3. حملة محمد بك أبو الدهب وخيانة إسماعيل أبو عبد الله
في عام 1183 هـ / 1769 م، جهز علي بك الكبير حملة عسكرية ضخمة وجردها إلى الصعيد تحت قيادة ذراعه الأيمن وعقيد جيشه محمد بك أبو الدهب [594، 597]. سارت الحملة جنوباً مدعومة بالمدافع الحديثة والذخائر والجيوش المنظمة [607].
حشد شيخ العرب همام جموع الهوارة وحلفاءهم من أولاد يحيى والقبائل العربية لصد الغزو، وعسكر بجيوشه لملاقاة قوات القاهرة [597]. أدرك محمد بك أبو الدهب بصبره ودهائه العسكري أنه قد يواجه هزيمة منكرة إذا اصطدم بفرسان الهوارة صرعاً في أرضهم؛ فلجأ إلى سلاح المؤامرة والدبلوماسية السرية [597].
راسل أبو الدهب الأمير إسماعيل أبو عبد الله (ابن عم شيخ العرب همام وأحد كبار قادة جيشه) [597]. واستطاع أبو الدهب إغراء إسماعيل بالمنصب والجاه، ومناه برئاسة وزعامة الصعيد كله بدلاً من ابن عمه همام إذا تراجع بقواته وخذل القوم [597].
انطلت الخديعة على إسماعيل أبو عبد الله، فتقاعس عن القتال في اللحظة الحاسمة، وانسحب بقواته من الميدان، مما أحدث بلبلة وانهياراً تاماً في صفوف جيش الهوارة وتشتت شمل فرسانهم [597].
4. نهاية شيخ العرب همام وسقوط فرشوط
عندما عاين شيخ العرب همام خيانة ابن عمه، وفشل القوم، وتفرق الفرسان من حوله، أدرك أن دولته قد انتهت [597]. رفض الاستسلام وأمجد بالانسحاب؛ فخرج من عاصمته فرشوط متجهاً جنوباً نحو أسوان برفقة قلة من رجاله المخلصين [597].
ولكن الصدمة النفسية والقهر لفقدان مملكته وخيانة أقرب الناس إليه نالت من جسده المتعب؛ فمات شيخ العرب همام "مكموداً مقهوراً" في طريق هروبه بأسوان في شوال 1183 هـ (ديسمبر 1769 م) [597].
دخلت قوات محمد بك أبو الدهب بلدة فرشوط دون أدنى مقاومة، فاستباحوها ونهبوها [597]. وبنهاية فرشوط وموت همام، زالت الدولة الهمامية الفعلية من الصعيد، ونهب المماليك دوائر همام، وذخائره، وأمواله، وغلاله، وهدموا جانباً كبيراً من قصره الشهير المكون من 90 حجرة بفرشوط، لتبدأ حقبة جديدة من السيطرة المملوكية المباشرة على الصعيد [597، 156].
الفصل السادس: مصير الهمامية بعد السقوط وأثرهم في السودان
1. هجرة الهوارة إلى جنوب الوادي ودخول السودان
لم تكن نهاية دولة همام بفرشوط نهاية لوجود قبيلة الهوارة؛ بل أدت ملاحقة المماليك وتنكيلهم بهم إلى اندفاع موجات بشرية كبرى من الهوارة والهمامية نحو جنوب وادي النيل ودخول بلاد السودان [195، 277].
تُشير السجلات التاريخية إلى أن زحف الهوارة جنوباً كان قد بدأ في فترات مبكرة (بين عامي 800 - 815 هـ) بسبب النزاعات مع بني الكنز [195، 277]، ولكنه تضاعف بشكل هائل بعد سقوط فرشوط وموت همام [597]. دخلت جموع الهوارة شمال السودان واستقرت في مناطق متعددة على طول نهر النيل [277]. ويمكن تقسيم وجودهم في السودان إلى نمطين رئيسيين:
- هوارة الحضر (الجلاّبة): استقر جزء منهم على ضفاف النيل في مناطق دنقلة، واشتغلوا بالتجارة والزراعة، واندمجوا بشكل كبير مع العناصر المحلية الزنجية والنوبية [277، 278].
- هوارة البدو (الرحّل): حافظت طوائف أخرى على نمط حياتها البدوي الرعوي، فانتشروا في براري كردفان ودارفور، ينتقلون بقطعانهم وغنمهم نحو الغرب في فصول الأمطار، وامتزجوا مع قبائل الكبابيش والبقارة الحديثة في السودان الغربي [277، 266].
2. بقاء بعض الأسر ومحاولات استعادة النفوذ الاسمي في الصعيد
رغم زوال السلطة الفعلية للهمامية، إلا أن نفوذهم الاجتماعي والاسمي ظل يتردد في أروقة الصعيد لسنوات [113]. فقد تولى بعض أحفاد وأبناء شيخ العرب همام مناصب رسمية واسمية في ولاية جرجا تحت حماية المماليك أنفسهم في أواخر القرن الثامن عشر، مثل:
- إبراهيم بك بن إسماعيل البنداري: تولى مناصب إدارية في جرجا حوالي عام 1778م [112].
- الأمير شاهين بن همام بن يوسف: تولى سلطة اسمية في جرجا على فترات متقطعة بين عامي (1779 - 1785م) كأحد الملتزمين المحليين [114، 116].
- درويش همام بن يوسف: عُين ملتزماً محلياً وحافظ على وجاهة عائلته الاجتماعية [56].
ومع ذلك، كانت هذه المحاولات بمثابة رماد إمبراطورية منطفئة؛ فلم تعد لهم الشوكة العسكرية السابقة، وتحولوا إلى ملتزمين عاديين يخضعون لتقلبات السياسة في القاهرة وصراعات البكوات المماليك [285].
3. النهاية الحاسمة في عهد محمد علي باشا والقضاء على الفلول
جاءت النهاية الحاسمة والنهائية لشوكة الهوارة العسكرية والسياسية مع صعود محمد علي باشا وتوليه حكم مصر في مستهل القرن التاسع عشر [285، 291]. كان محمد علي باشا يمثل الدولة الحديثة المركزية التي لا تقبل بوجود أي قوة عسكرية منافسة لجيشه النظامي [291].
قاد محمد علي وأبناؤه (خاصة إبراهيم باشا) حملات عسكرية واسعة وقاطعة لتطهير الصعيد من فلول المماليك الهاربين والقبائل العربية الثائرة [285، 686]. قام محمد علي بـ إلغاء نظام الالتزام القديم بأكمله، وضبط جميع الأطيان والأراضي الزراعية في الصعيد، بما في ذلك الأراضي التي كانت بحوزة الهوارة والهمامية والرزق الأحباسية الموقوفة على المساجد [686، 691].
أُجبر مشايخ وعربان الهوارة على تسليم أسلحتهم وخيولهم، وفرضت عليهم الدولة زراعة الأراضي بأنفسهم كفلاحين يدفعون الضرائب مباشرة للخزينة الميرية، ونُزع منهم طابع الوجاهة العسكرية التاريخي [691]. وبذلك، تحول الهوارة من أمراء وحكام فعليين للصعيد إلى رعايا وأصحاب عائلات عريقة اندمجت في النسيج الاجتماعي والزراعي لمصر الحديثة، لتطوى بذلك صفحة واحدة من أعظم ممالك الحكم الذاتي القبلي في تاريخ وادي النيل [291].
الخاتمة والمصادر
مثلت الإمارة الهمامية الهوارية في صعيد مصر نموذجاً فريداً للدولة المصغرة شبه المستقلة التي استطاعت الموازنة بين الولاء الاسمي للمركز (سواء المملوكي أو العثماني) وبين السيادة الفعلية المطلقة على الأرض والإنسان [104]. لقد تأسست هذه الإمارة بالدم والسلاح، وازدهرت بالذهب وقصب السكر، وسقطت بالخيانة والمؤامرة، لتترك وراءها إرثاً تاريخياً وعمرانياً يزين مدن الصعيد حتى يومنا هذا [339، 597].
المصادر المعتمدة في التوثيق:
- المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي): كتاب "البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب"، تحقيق وترجمة ودراسات، القاهرة (تغطية شاملة لتوطين الهوارة في الصعيد بإذن السلطان برقوق ووقائع نزولهم الأولى) [200، 256].
- الجبرتي (عبد الرحمن بن حسن): كتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، مطبعة دار الكتب، القاهرة (التأريخ المفصل لعصر شيخ العرب همام، وحملة محمد بك أبو الدهب، وخيانة إسماعيل، وتفاصيل حياته اليومية وثروته وإدارته) [582، 597، 598، 599].
- المراغي الجرجاوي (محمد بن محمد بن حامد): كتاب "تاريخ ولاية الصعيد في العصرين المملوكي والعثماني"، دراسة تاريخية لعلماء وحكام الصعيد (توثيق سلالة بني عمر ومدافنهم ودرب القاضي عيسى في جرجا) [384، 425].
- د. محمد عبد الستار عثمان: دراسة "جرجا وآثارها المندرسة والمتبقية"، دراسات في آثار الوطن العربي (حصر أضرحة ومقابر ومساجد جرجا وقيسارياتها وتأثير فيضانات النيل "سطو البحر" على معالمها) [421، 425، 699، 702].
- مخطوطات ووثائق الأنساب المصورة وعقد الجمان: (حجج الالتزام العثمانية بدفاتر القلعة، وحجج المحكمة الشرعية بقنا والباب العالي، ومشجرات نسب سلالة همام سيبيه وعمر بن عبد العزيز الهواري) [13، 56، 57، 58، 59، 856].
- ابن حزم الأندلسي: كتاب "جمهرة أنساب العرب"، دار المعارف، القاهرة (توثيق نسب بطون البربر وهوارة وأبناء أوريغ بن برنس وتفرعات بني ماديس) [197، 796، 798].